محمد بن جرير الطبري

62

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

كل مقبول إذا كانت النية صادقة ، وصدقة السر أفضل إعلان الصدقة . وذكر لنا أن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، في قوله : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ قال : كل مقبول إذا كانت النية صادقة ، والصدقة في السر أفضل إعلان الصدقة . وكان يقول : إن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ فجعل الله صدقة السر في التطوع إعلان الصدقة تفضل علانيتها بسبعين ضعفا ، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها يقال بخمسة وعشرين ضعفا ، وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأَشياء كلها . حدثني عبد الله بن محمد الحنفي ، قال : ثنا عبد الله بن عثمان ، قال : ثنا عبد الله بن المبارك ، قال : سمعت سفيان يقول في قوله : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ قال : يقول : هو سوى الزكاة إعلان الصدقة . وقال آخرون : إنما عنى الله عز وجل بقوله : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ إن تبدوا الصدقات على أهل الكتابين من اليهود والنصارى فنعما هي ، وإن تخفوها وتؤتوها فقراءهم فهو خير لكم . قالوا : وأما ما أعطى فقراء المسلمين من زكاة وصدقة تطوع فإخفاؤه أفضل من علانيته إعلان الصدقة . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : ثني عبد الرحمن بن شريح ، أنه سمع يزيد بن أبي حبيب يقول : إنما نزلت هذه الآية : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ في الصدقة على اليهود والنصارى . حدثني عبد الله بن محمد الحنفي ، قال : أخبرنا عبد الله بن عثمان ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، قال : أخبرنا ابن لهيعة ، قال : كان يزيد بن أبي حبيب يأمر بقسم الزكاة في السر ، قال عبد الله : أحب أن تعطى في العلانية إعلان الصدقة ، يعني الزكاة . ولم يخصص الله من قوله : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ فذلك على العموم إلا ما كان من زكاة واجبة ، فإن الواجب من الفرائض قد أجمع الجميع على أن الفضل في إعلانه إعلان الصدقة وإظهاره سوى الزكاة التي ذكرنا اختلاف المختلفين فيها مع إجماع جميعهم على أنها واجبة ، فحكمها في أن الفضل في أدائها علانية حكم سائر الفرائض غيرها . القول في تأويل قوله تعالى : وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ . اختلف القراء في قراءة ذلك . فروي عن ابن عباس أنه كان يقرؤه : " وتكفر عنكم " بالتاء . ومن قرأه كذلك . فإنه يعني به : وتكفر الصدقات عنكم من سيئاتكم . وقرأ آخرون : وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ بالياء بمعنى : ويكفر الله عنكم بصدقاتكم على ما ذكر في الآية من سيئاتكم . وقرأ ذلك بعد عامة قراء أهل المدينة والكوفة والبصرة : " ونكفر عنكم " بالنون وجزم الحرف ، يعني : وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء نكفر عنكم من سيئاتكم ، بمعنى : مجازاة الله عز وجل مخفي الصدقة بتكفير بعض سيئاته بصدقته التي أخفاها . وأولى القراءات في ذلك عندنا بالصواب قراءة من قرأ : " ونكفر عنكم " بالنون وجزم الحرف ، على معنى الخبر من الله عن نفسه أنه يجازي المخفي صدقته من التطوع ابتغاء وجهه من صدقته بتكفير سيئاته . وإذا قرئ كذلك فهو مجزوم على موضع الفاء في قوله : فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لأَن الفاء هنا لك حلت محل جواب الجزاء . فإن قال لنا قائل : وكيف اخترت الجزم على النسق على موضع الفاء ، وتركت اختيار نسقه على ما بعد الفاء ، وقد علمت أن الأَفصح من الكلام في النسق على جواب الجزاء الرفع ، وإنما الجزم تجويز ؟ قيل : اخترنا ذلك ليؤذن بجزمه أن التكفير ، أعني تكفير الله من سيئات المصدق لا محالة داخل فيما وعد الله المصدق أن يجازيه به على صدقته ، لأَن ذلك إذا جزم مؤذن بما قلنا لا محالة ، ولو رفع كان قد يحتمل أن يكون داخلا فيما وعده الله أن يجازيه به ، وأن يكون خبرا